ينّاير… حين يلتقي الإنسان بالأرض والهوية والزمن بقلم: الهادي مزياني يُعدّ الاحتفال برأس السنة الأمازيغية (ينّاير) مناسبة ذات أبعاد ثقافية وتاريخية عميقة،
تعبّر عن ارتباط الإنسان بالأرض والزمن والهوية. وهو تقليد متجذر في شمال إفريقيا، يحمل في رمزيته معاني التجدد والأمل، ويجسد استمرارية الذاكرة الحضارية الأمازيغية عبر العصور. ولا يُعدّ ينّاير مجرد مناسبة تقويمية عابرة، بل هو تعبير عن وعي جماعي تشكّل عبر قرون طويلة، ويوافق يومي 12 أو 13 يناير من كل سنة ميلادية، مستندًا إلى التقويم الأمازيغي الزراعي المرتبط بدورة الطبيعة والفلاحة، ويُؤرخ تقليديًا بسنة 950 قبل الميلاد، تاريخ اعتلاء الملك الأمازيغي شيشنق الأول عرش مصر.
يمثل ينّاير بداية سنة فلاحية جديدة، تحمل في
رمزيتها معاني الخصب والتجدد والأمل، وتُجسد انتقال الإنسان من زمن إلى آخر في
انسجام مع الأرض ومواسمها. وتتميز هذه المناسبة بطقوس اجتماعية وعائلية راسخة،
أبرزها إعداد أطباق تقليدية خاصة، وتبادل التهاني، وإحياء عادات تراثية تختلف في
تفاصيلها من منطقة إلى أخرى، لكنها تتقاطع في روحها الجامعة.
ومن هذا المنطلق الرمزي والاجتماعي، يتضح أن ينّاير
لا يكتمل معناه إلا بفهم أبعاده العملية المرتبطة بالأرض والإنتاج، ما يبرز بوضوح في
ابعاده المختلفة ومن ابرزها :
·
البعد الفلاحي–الإقتصادي:
يرتبط ينّاير ارتباطًا وثيقًا بالنشاط الفلاحي، إذ
شكّل عبر التاريخ مرجعًا زمنيًا لتنظيم مواسم الحرث والبذر والحصاد. وقد اعتمدته
المجتمعات الأمازيغية كإشارة لبداية دورة زراعية جديدة، انسجامًا مع تعاقب الفصول
وإيقاع الطبيعة. ويحمل الاحتفال في هذا السياق بُعدًا رمزيًا يتمثل في طلب الخصوبة
ووفرة المحاصيل، والتفاؤل بسنة يسودها الخير والاستقرار الغذائي.وتعكس الطقوس المصاحبة ليّنّاير، خاصة الأطباق
التقليدية المعتمدة على الحبوب ومنتجات الأرض، مكانة الزراعة في الاقتصاد المعيشي،
والتعبير عن الامتنان لما جادت به الطبيعة، والتطلع إلى مردود أفضل في السنة
المقبلة. ومن ثمّ، فإن ينّاير يجسّد علاقة الإنسان بالأرض باعتبارها مصدر العيش
والاستمرارية.
·
البعد الإجتماعي:
يُعدّ ينّاير مناسبة اجتماعية بامتياز، تتجلى فيها
قيم التضامن والتآزر ولمّ الشمل العائلي. ففي هذه
المناسبة تجتمع الأسر، وتتقاسم لحظات الفرح داخل الفضاء العائلي، بما يعزز الروابط
القرابية ويُجدد أواصر المودة والانتماء. كما تُحيي هذه المناسبة عادات جماعية
راسخة، مثل الزيارات المتبادلة وتبادل التهاني والدعاء بسنة يسودها الخير والسلام.ويمتد هذا البعد الاجتماعي إلى تقاسم الوجبات
الجماعية مع الجيران والأقارب، وفي بعض المناطق يشمل الفئات المحتاجة، بما يعكس
ثقافة التكافل الاجتماعي المتجذرة في المجتمع الأمازيغي، ويجعل من ينّاير آلية
لإعادة إنتاج التماسك المجتمعي.
في الجزائر، يحتلّ ينّاير مكانة خاصة لدى عموم الساكنة، أمازيغًا وعربًا، من
شرق البلاد إلى غربها، ومن شمالها إلى جنوبها. ويتجلى ذلك في الاستعدادات التي
تسبق المناسبة، وما يرافقها من أجواء احتفالية وبهجة جماعية تعكس عمق حضور ينّاير
في الذاكرة الشعبية، والاستمتاع بالأجواء التي تميز أيام الاحتفال في مختلف
المناطق.
·
البعد الثقافي–الهوياتي
يمثل الاحتفال برأس السنة الأمازيغية وسيلة فعالة
للحفاظ على التراث الثقافي الأمازيغي وصونه من الاندثار. فمن خلال الطقوس،
والأهازيج، والألبسة، والأكلات التقليدية، يتم نقل الموروث الثقافي من جيل إلى آخر
بطريقة حية قائمة على الممارسة والمشاركة الجماعية.
كما يسهم ينّاير في ترسيخ الوعي بالهوية الأمازيغية وتعزيز الشعور بالانتماء
إلى تاريخ وحضارة ضاربة في القدم، باعتبار الأمازيغية مكوّنًا أصيلًا من مكونات
الهوية الثقافية لشمال إفريقيا. وهو ما يجعل من هذه المناسبة لحظة لاستحضار
الذاكرة الجماعية وربط الحاضر بالماضي.
·
البعد الرمزي–النفسي
يحمل ينّاير بعدًا رمزيًا ونفسيًا عميقًا، إذ يُنظر
إليه كبداية جديدة تُجدد الأمل وتبعث التفاؤل. فهو لا يمثل مجرد انتقال زمني، بل قطيعة
رمزية مع ما مضى واستعدادًا نفسيًا لمرحلة أكثر استقرارًا. وتُسهم طقوسه في تعزيز
الطمأنينة والتوازن النفسي الجماعي، خاصة في المجتمعات المرتبطة معاشها بتقلبات
الطبيعة والمناخ، مما يجعل من ينّاير مناسبة لإعادة شحن الطاقة المعنوية وترسيخ
الإحساس بالاستقرار داخل الفرد والجماعة معًا.
·
البعد التاريخي
يشكّل ينّاير مناسبة لاستحضار التاريخ الأمازيغي
العريق، وإحياء الذاكرة المرتبطة بمحطات وشخصيات وأحداث تؤكد عمق الحضور الأمازيغي
في شمال إفريقيا. كما يُبرز التقويم الأمازيغي ذاته خصوصية حضارية وتنظيمًا زمنيًا
مستقلًا، يعكس استمرارية تاريخية متجذرة، ويُعزز الإحساس بالانتماء والاستمرارية
الحضارية.
·
البعد المعاصر بأدوات ثقافية
في بعده المعاصر، لم يعد الاحتفال بينّاير مقتصرًا
على الطقوس التقليدية، بل أصبح مناسبة تُنظم خلالها محاضرات أكاديمية، وندوات
فكرية، ومعارض للكتب والصناعة التقليدية، إلى جانب مسابقات ثقافية وتربوية موجهة
لمختلف الفئات العمرية. وتسهم هذه الأنشطة في تحويل ينّاير إلى فضاء ثقافي حيّ
للتعلم والتبادل، وتعزيز الوعي بالتراث الأمازيغي في سياق مؤسساتي حديث.
وعلى مستوى الدولة الجزائرية، تسطّر مختلف المؤسسات الرسمية برامج احتفالية
خاصة تليق برمزية الحدث، بما يعكس المكانة التي بات يحظى بها ينّاير في السياسات
الثقافية الوطنية. وفي هذا السياق، خصّصت رئاسة الجمهورية جائزة باسم رئيس
الجمهورية تُمنح لأحسن إنتاج فكري وأدبي في مجال الثقافة الأمازيغية، في خطوة تعكس
إرادة سياسية واضحة لدعم الإبداع والبحث العلمي وتعزيز حضور الأمازيغية في الفضاء
الثقافي الوطني.
الإعتراف الرسمي والتصالح مع الذات:
يُعتبر ترسيم ينّاير
عطلة رسمية في كل من الجزائر والمغرب وليبيا دليلًا واضحًا على الاعتراف الرسمي
بالهوية الأمازيغية، وخطوة رمزية ذات دلالة عميقة في مسار التصالح مع الذات
التاريخية والثقافية. فهذا القرار لا يعكس فقط إنصافًا ثقافيًا طال
انتظاره، بل يُكرّس ينّاير كذاكرة مشتركة توحّد شعوب المنطقة، وتعزز التعدد
الثقافي في إطار الوحدة الوطنية.
هكذا، يظلّ ينّاير أكثر من مجرد عيد؛ إنه ذاكرة
حيّة، ورمز للاستمرارية، وجسر يربط الإنسان بأرضه وتاريخه وهويته.
الهادي موياني